محمد باقر الملكي الميانجي
8
مناهج البيان في تفسير القرآن
ونهتهم التوراة أن يأكلوا كلّ رجس . . . إذن فكيف يكون الرجس حلالا شرعيّا قبل أن تنزل التوراة ؟ كما لم تذكر التوراة أيضا أنّ إسرائيل حرّم على نفسه شيئا . أقول : بناء على ما ذهب إليه يكون قوله تعالى : « مِنْ » متعلّقا ب « حَرَّمَ » ؛ وهو بعيد . بل الظاهر أنّه متعلّق بقوله تعالى : « كانَ حِلًّا » على أنّه لا ينبغي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ يحتكم إلى التوراة المحرّف وإلّا يكون احتكامه بالنسبة إليها جدلا ونقضا ، والحال أنّ الظاهر من الآية أنّ الاحتكام إنّما هو لرفع الاختلاف وحلّ الشبهة . فإنّهم لو جاؤوا بالتوراة وتلوها يظهر كذبهم وافتراؤهم على موسى ، وتبطل اعتراضاتهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قوله تعالى : « فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . ( 94 ) أي : فمن افترى على اللّه تعالى وعلى أنبيائه صلوات اللّه عليهم بعد ما تبيّن له الهدى من الضلالة ، والحقّ من الباطل ، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وللأمم التي فيها يعيشون . قوله تعالى : « قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . ( 95 ) الظاهر أنّه إلزام وإيجاب على اليهود أن يؤمنوا ويقرّوا بأنّ كلّ الطّيبات من الطعام كانت حلا لبني إسرائيل ، ولإبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، وأن يؤمنوا ويقرّوا بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو المتّبع لملّة إبراهيم . ويجب عليهم أن يكفّوا عمّا اختلقوا على أنبياء اللّه من الكذب والافتراء ، وعن منازعة القرآن المبين وأحكامه السمحة الحنيفة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 )